محمد الريشهري

163

موسوعة العقائد الإسلامية

شَراسيفِ بَطنِها ، وما فِي الرَّأسِ مِن عَينِها وأُذُنِها ، لَقَضَيتَ مِن خَلقِها عَجَباً ، ولَقيتَ من وَصفِها تَعَباً ! فَتَعالَى الَّذي أَقامَها عَلى قَوائِمِها ، وبَناها عَلى دَعائِمِها لَم يَشرَكهُ في فِطرَتِها فاطِرٌ ، ولَم يُعِنُهُ عَلى خَلقِها قادِرٌ . ولَو ضَرَبتَ في مَذاهِبِ فِكرِكَ لِتَبلُغَ غاياتِهِ ، ما دَلَّتِكَ الدَّلالَةُ إِلاّ عَلى أنَّ فاطِرَ النَّملَةِ هُوَ فاطِرُ النَّخلَةِ ( النَّحلة ) ؛ لِدَقيقِ تَفصيلِ كُلِّ شَيء ، وغامِضِ اختِلافِ كُلِّ حَيٍّ ( شيء ) ، ومَا الجَليلُ واللَّطيفُ وَالثَّقيلُ وَالخَفيفُ وَالقَوِيُّ وَالضَّعيفُ في خَلقِهِ إِلاّ سَواءٌ . . . . فَالوَيلُ لِمَن أنكَرَ المُقَدِّرَ وَجَحَدَ المُدَبِّرَ ! زَعَموا أنَّهُم كَالنَّباتِ مالَهُم زارِعٌ ، ولا لاِختِلافِ صُوَرِهِم صانِعٌ ، ولَم يَلجَؤوا إِلى حُجَّة فيمَا ادَّعَوا ، ولا تَحقيق لِما أوعَوا ؛ وهَل يَكونُ بِناءٌ مِن غَيرِ بان ، أو جِنايَةٌ مِن غَيرِ جان ؟ ! وإِن شِئتَ قُلتَ فِي الجَرادَةِ ، إِذ خَلَقَ لَها عَينَينِ حَمراوَينِ ، وأَمرَجَ لَها حَدَقَتَينِ قَمراوَينِ ، وجَعَلَ لَها السَّمعَ الخَفِيَّ ، وفَتَحَ لَها الفَمَ السَّوِيَّ ، وجَعَلَ لَها الحِسَّ القَوِيَّ ، ونابَينِ بِهِما تَقرِضُ ، ومِنجَلَينِ بِهِما تَقبِضُ . يَرهَبُها الزُّرّاعُ في زَرعِهِم ، ولا يَستَطيعونَ ذَبَّها ولَو أَجلَبوا بِجَمعِهِم ، حَتّى تَردَ الحَرثَ في نَزَواتِها ، وتَقضي مِنهُ شَهَواتِها ، وخَلقُها كُلُّهُ لا يُكَوِّنُ إِصبَعاً مُستَدِقَّةً . فَتَبارَكَ اللهُ الَّذي يَسجُدُ لَهُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ طَوعاً وكَرهاً ، ويُغفِّرُ لَهُ خَدّاً ووَجهاً ، ويُلقي إِلَيهِ بِالطَّاعَةِ سِلماً وضَعفاً ، ويُعطي لَهُ القِيادَ رَهبَةً وخَوفاً ، فَالطَّيرُ مُسخَّرَةٌ لأَِمرِهِ ، أَحصى عَدَدَ الرِّيشِ مِنها والنَّفسَ ، وأَرسى قَوائِمَها عَلَى النَّدى وَاليَبسِ ، وقَدَّرَ أَقواتَها ، وأَحصى أَجناسَها ؛ فَهذا غُرابٌ